30/07/2026
الفنيدق تنزف من جديد: حين يصبح البحر آخر أبواب الكرامة
متابعة وتحرير: عرفة القاطي اليملاحي
تطوان – أنباء الساحة
صور اليوم من سواحل الفنيدق ومنطقة تاراخال لا تحتاج إلى تعليق طويل. شباب ونساء، وبينهم قاصرون، يخرجون من البحر بأجساد منهكة وملابس مبللة ووجوه تختلط فيها الصدمة بالخوف والأمل. لم يكونوا في نزهة، ولم يختاروا البحر بحثًا عن المغامرة، بل وجد بعضهم أنفسهم أمام طريق يعتقدون أنه قد يقودهم إلى مستقبل أفضل، ولو كان ثمنه مواجهة خطر لا يرحم.
ما جرى ليس حادثًا عابرًا، ولا مجرد رقم جديد في سجل محاولات الهجرة غير النظامية. إنه جرس إنذار يعيد طرح السؤال الذي يفضّل كثيرون تجاهله: ما الذي يدفع شبابًا في مقتبل العمر إلى وضع حياتهم على المحك من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى؟ وما الذي يجعل البحر، بكل ما يحمله من مخاطر، يبدو لبعضهم أقل قسوة من انتظار طويل بلا عمل أو أفق أو شعور حقيقي بالاستقرار؟
من السهل أن نصف المشهد بأنه «محاولة اجتياز غير نظامية»، وأن نختزل القضية في مقاربة أمنية أو في ضرورة تشديد المراقبة. لكن الأصعب هو النظر إلى ما وراء المشهد، والاعتراف بأن الهجرة ليست قرارًا معزولًا عن الواقع، بل نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية ونفسية، تتداخل فيها البطالة وهشاشة العمل وارتفاع تكاليف العيش وضعف فرص الاندماج، إلى جانب الإحساس بأن المستقبل يُبنى في مكان آخر.
هناك شباب يشتغلون لساعات طويلة بأجور محدودة، ويواجهون ظروفًا مهنية صعبة دون ضمانات كافية أو أفق واضح للتطور. وهناك من أنهى دراسته ولم يجد فرصة تليق بمؤهلاته، ومن يرى أن سنوات عمره تمر بين الوعود والانتظار. وحين تضيق الخيارات، تظهر الهجرة في نظر البعض كأنها باب وحيد، حتى وإن كان الطريق إليها محفوفًا بالمخاطر.
وفي الجهة الأخرى، تعيش دول أوروبية تحولات ديموغرافية وتواجه نقصًا في اليد العاملة في عدد من القطاعات، بينما تستمر الحدود في إغلاق الأبواب أمام كثير من الراغبين في العمل والتنقل بطرق قانونية. وهنا يبرز تناقض كبير: الحاجة إلى العمال موجودة، والرغبة في العمل موجودة، لكن المسارات القانونية تظل محدودة أو معقدة، فتستفيد شبكات التهريب من هذا الفراغ وتحوّل أحلام الشباب إلى تجارة خطرة.
إن حماية الحدود حق مشروع، لكن حماية الأرواح والكرامة مسؤولية لا تقل أهمية. فلا يمكن معالجة الهجرة غير النظامية بالزوارق والحواجز وحدها، كما لا يمكن إقناع الشباب بالبقاء عبر الخطابات والشعارات فقط. المطلوب هو سياسات تمنحهم أسبابًا حقيقية للاستقرار: تعليم جيد، وتكوين فعّال، وفرص شغل لائقة، وأجورًا عادلة، وحماية اجتماعية، وإمكانية واقعية لبناء مستقبل داخل الوطن.
كما أن مواجهة شبكات تهريب المهاجرين يجب أن تكون أولوية، لأن هذه الشبكات تستغل الحاجة واليأس، وتحوّل أحلام الناس إلى مصدر للربح. وفي الوقت نفسه، لا بد من توسيع فرص الهجرة المنظمة عبر اتفاقيات واضحة وبرامج قانونية للعمل والتكوين، حتى لا يبقى البحر هو الطريق الوحيد في نظر من يبحث عن فرصة.
لا تسألوا الطيور لماذا هاجرت، بل اسألوا عن الغصن الذي انكسر تحتها.
ما رأيناه اليوم في الفنيدق ليس مجرد حدث أمني، بل مرآة تعكس اختلالات أعمق، وتكشف حجم المسافة بين طموحات الشباب والفرص المتاحة أمامهم. إنه نداء يفرض علينا أن ننتقل من تدبير النتائج إلى معالجة الأسباب، ومن عدّ محاولات العبور إلى بناء شروط تجعل البقاء اختيارًا ممكنًا وكريمًا.
الفنيدق لا تحتاج فقط إلى مزيد من الحواجز، بل إلى مزيد من الأمل. والشباب لا يطلبون المستحيل؛ إنهم يطلبون فرصة، وعملاً يحفظ الكرامة، ومستقبلًا لا يجعل البحر يبدو كأنه آخر الأبواب.
#الفنيدق #الهجرة #الشباب #سبتة