24/02/2026
للأسف الشديد، أغلب التعليقات التي نقرأها اليوم يغلب عليها الانفعال أكثر من الفهم، وكأن الحكم صدر قبل سماع الوقائع.
أزمة ارتفاع أسعار اللحوم ليست وليدة رغبة قصّاب، ولا قرار محل، ولا مزاج تاجر… بل هي نتيجة سلسلة طويلة من العوامل المتراكمة، أكبر من أن تختزل في اتهام عابر.
أهم أسباب الارتفاع اليوم:
أولًا: الارتفاع العالمي في أسعار المواشي، ونحن بلد تراجعت فيه الثروة الحيوانية المحلية بشكل كبير، فأصبحنا نعتمد على الاستيراد.
ثانيًا: قانون العرض والطلب؛ الطلب متزايد بصورة تفوق الحاجة الطبيعية، بينما العرض محدود، ومع هجوم الناس على الشراء بكميات أكبر من المعتاد يرتفع السعر تلقائيًا.
ثالثًا: تراجع دخول الأغنام من دول مثل سوريا وأرمينيا وغيرها، بعد ارتفاع سعر الدولار، مما أدى إلى زيادة كبيرة في كلفة الاستيراد.
رابعًا: صعوبة إدخال الأبقار بسبب ارتفاع الرسوم الجمركية، وتعقيدات التخليص، والضرائب، إضافة إلى الارتفاع العالمي في أسعار الدول المصدّرة… فكانت النتيجة زيادة كارثية في كلفة المواشي.
خامسًا: غياب الدعم الحكومي لمربي الأغنام والأبقار، وارتفاع أسعار الأعلاف، وقلة المياه، وضعف المراعي بسبب قلة الأمطار… وكلها تضغط على المنتج المحلي وترفع الكلفة.
هذه أبرز الأسباب، وليست كلها.
أما السؤال الذي يتكرر: لماذا يرفع القصّاب السعر؟ هل هو جشع؟ أم اجتهاد شخصي؟
القصّاب هو الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة تبدأ من المربي أو المستورد، وتمر بالنقل، والجمارك، والضرائب، وأجور التخليص، ورسوم المجازر، وأجور الذبح، ونقل اللحوم، وأجور العمال، والكهرباء، والماء، والإيجارات… وكل حلقة تضيف كلفة.
فالقصّاب لا يشتري المواشي بسعر الأمس ليبيع بسعر اليوم، بل يشتريها بسعر مرتفع أصلًا، ثم يتحمل فوق ذلك مصاريف التشغيل اليومية، ثم يُتهم بأنه المستفيد الأكبر!
من يظن أن القصّاب يشتري ويذبح ويبيع فقط، دون تكاليف متراكمة، فهو لا يرى إلا آخر المشهد، ويغفل ما قبله.
أما مسألة الإضراب وتعطيل المحال، فهي ليست رفاهية، وليست استعراضًا، بل صرخة احتجاج من الحلقة الأضعف في السلسلة، ومن أجل إيصال رسالة بأن استمرار هذا الوضع سيضر بالجميع، تاجرًا ومستهلكًا.
وهنا سؤال صريح لكل من يتهم: هل يعقل أن من يحقق أرباحًا طائلة — كما يُشاع — يعطّل رزقه بإرادته، ويوقف مصدر دخل عائلته وموظفيه؟ هل يعقل أن يغامر بخسارة يومه وزبائنه إن كان في بحبوحة ربح كما يُقال؟
لو كان في الأمر ربح استثنائي، لما رأيتم بابًا يُغلق.
نحن لا نطلب تعاطفًا، بل نطلب فهمًا. ولا نبرر خطأً، بل نوضح واقعًا. والعدل يقتضي أن تُعرف الحقيقة قبل أن تُرمى التهم.
ومن أراد أن يحكم، فليحكم بعلم، لا بظن. (إن بعض الظن إثم)