29/04/2026
يُقال إن أوروبا، يوم مات هذا الرجل، لم تكتفِ بالارتياح… بل احتفلت.
جلس بعضهم على قبره يشربون الخمر ويرقصون، وكأنهم يودّعون كابوسًا ظلّ يطاردهم لسنوات طويلة. حتى إن أحدهم قال وهو ينظر إلى القبر:
“والله، لو تنفّس صاحب هذا القبر الآن… لما أبقى فينا أحدًا حيًّا، ولما استقرّ لنا قرار.”
وليس الحديث هنا عن صلاح الدين الأيوبي، كما قد يظنّ كثيرون…
بل عن رجلٍ لا تقلّ سيرته هيبةً وبأسًا: الحاجب المنصور.
إنه محمد بن أبي عامر العامري، الرجل الذي دوّى اسمه في تاريخ الأندلس، حتى صار ذكره وحده يُقضّ مضاجع ملوك أوروبا.
وتروي بعض الروايات أن أحد ملوك النصارى، وهو ألفونسو السادس، جاء إلى قبر المنصور بعد موته، فنصب فوقه خيمة عظيمة، ووضع فيها سريرًا من ذهب، ثم اضطجع عليه مع زوجته متباهيًا، وقال متحدّيًا:
“أما ترون أنني اليوم قد ملكت بلاد المسلمين والعرب، وها أنا أجلس فوق قبر أعظم قادتهم؟”
ساد الصمت لحظة…
ثم قال أحد الحاضرين بصوتٍ ثابت:
“والله، لو تنفّس صاحب هذا القبر الآن، لما ترك فينا أحدًا حيًّا.”
اشتعل الغضب في عيني ألفونسو، وهمّ أن يبطش به…
لكن زوجته أوقفته قائلة:
“لقد قال الحق…
أيليق بنا أن نفتخر بالنوم فوق قبره؟!
والله، إن في هذا زيادةً لشرفه لا لنا.
حتى بعد موته لا نقدر على هزيمته…
والتاريخ سيسجّل له انتصارًا وهو ميت، وقبحًا بنا وبما فعلنا.”
وُلد الحاجب المنصور سنة 326هـ في جنوب الأندلس.
بدأ حياته جنديًا متطوّعًا، ثم لمع نجمه سريعًا لشجاعته وذكائه، فتولّى قيادة الشرطة في قرطبة، ثم أصبح مستشارًا للحكام، قبل أن يتحوّل إلى الحاكم الفعلي للأندلس وقائد جيوشها.
لكن ما صنع أسطورته لم يكن منصبه…
بل سيفه.
قاد المنصور عشرات الحملات العسكرية ضد ممالك الشمال، وانتهت معظمها بالنصر.
لم تُهزم له راية في ذروة قوّته، ولم يُعرف عنه أنه عاد من معركةٍ خاسرًا.
حتى قيل إن خيله وطئت أراضي لم تطأها جيوش المسلمين من قبل.
ومن أبرز حملاته، حملاته على ليون، حيث واجه تحالفات أوروبية متعدّدة، وخرج منها منتصرًا، مثبتًا هيبة الدولة الأموية في الأندلس.
وكان لهذا القائد عادة تعبّر عن إيمانه العميق…
فبعد كل معركة، كان يجمع الغبار العالق بثيابه، ويضعه في قارورة، وأوصى أن يُدفن معه… ليشهد له يوم القيامة أنه قضى عمره في ميادين القتال.
خمسة وعشرون عامًا من الجهاد المتواصل…
لم يكن يكاد يترجّل عن فرسه، إلا ليمتطي غيره.
وقد دعا الله يومًا أن يموت مجاهدًا، لا على فراش القصور…
فاستُجيب له.
مات الحاجب المنصور سنة 392هـ، وهو في طريقه من إحدى حملاته، عن عمرٍ ناهز الستين عامًا، قضى أكثر من نصفه في ميادين القتال.
وكان يطمح إلى التوغّل شمالًا نحو بلاد الفرنجة، عبر جبال البرينيه…
وربما لهذا السبب، نُسجت تلك الروايات حول قبره…
كأنّ خصومه حاولوا انتزاع انتصارٍ وهميّ من رجلٍ لم يعرف الهزيمة في حياته.
لكن الحقيقة التي بقيت في كتب التاريخ واضحة:
لقد مات الحاجب المنصور…
لكن هيبته ظلّت حيّة، حتى فوق قبره.
رحم الله الحاجب المنصور، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.